يسأل شاب رحّلته السلطات المصرية إلى السودان بعد فترة قاسية قضاها رهن الاحتجاز في مصر: «ما جريمتنا؟». وتطرح الأم السؤال نفسه وهي تبلغ عن احتجاز ابنها الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة، كما يطرحه أب يبحث عن ابنه الذي لم يعد إلى المنزل بعد انتهاء درسه، ليكتشف لاحقًا أنه رُحّل إلى السودان. ويتكرر السؤال على لسان آلاف آخرين وثّقت منظمات حقوقية وصحفيون ومحامون حالات ترحيلهم، بعدما مروا جميعًا تقريبًا بالمسار نفسه، بحسب نور خليل، كاتب المقال.


وبحسب ما يورده مدى مصر في هذا المقال، يبدأ هذا المسار باعتقال اللاجئ في الشارع أو وسائل النقل العام أو المنزل أو مكان العمل، أو على الطرق المؤدية إلى مقدمي خدمات اللاجئين. ثم تُفحص جوازات السفر وأوراق الإقامة، وغالبًا ما يصاحب ذلك سوء تعامل مع الوثائق أو مصادرتها، وفي بعض الحالات تُمزق بطاقات تسجيل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وإيصالات مواعيد التسجيل، أو أي مستند يثبت انتظار تجديد الإقامة. وبعد ذلك يُحرر محضر بشأن الدخول أو الإقامة بصورة غير قانونية، ويُحال بعض المحتجزين إلى النيابة العامة.

 


الترحيل الإداري بين سلطة الدولة والقيود القضائية


لكن الإفراج عن الشخص وإحالته إلى «الجهة الإدارية المختصة» لا يعني، وفق الحالات التي تعامل معها الكاتب منذ بداية العام، استعادة حريته. بل تبدأ بعد ذلك فترة من الاحتجاز الإداري والنقل بين أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز، وتنتهي لدى الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية. وهناك ينتقل المحتجز من كونه مشتبهًا به في محضر شرطة إلى شخص صدر بحقه قرار ترحيل، ثم إلى مُرحّل يُنقل باتجاه الحدود، من دون أن يتمكن فعليًا من الوصول إلى محامٍ أو قاضٍ أو إجراءات لجوء.


ويجرد هذا المسار الترحيل من طبيعته كقرار فردي واستثنائي بمجرد تكراره على نطاق واسع ومنهجي، واعتماده على نماذج محاضر شبه متطابقة ومؤشرات عامة لا ترتبط بالشخص المعني. وأحيانًا تصنع السلطات الأزمة نفسها، وفق ما يوضح خليل في الجزء الأول من السلسلة، عبر دفع المهاجرين إلى سلوك طرق غير نظامية، بعد تجريدهم من قنوات الدخول الآمنة وحرمانهم من الوصول الفعلي إلى إجراءات التسجيل واللجوء، ثم اعتقالهم بتهم المخالفة وترحيلهم خارج البلاد.


ويستند الترحيل إلى القانون رقم 89 لسنة 1960 بشأن دخول وإقامة الأجانب وخروجهم من البلاد. ويمنح القانون، في المادة 25، وزير الداخلية سلطة إصدار قرارات الترحيل، لكنه لا ينشئ سلطة مطلقة بلا قيود. إذ تقيد المادة 26 ترحيل حاملي الإقامات الخاصة بأسباب محددة، وتشترط إحالتهم إلى لجنة الترحيل وموافقتها، بينما تجيز المادة 27 احتجاز الشخص مؤقتًا إلى حين الترحيل وحتى انتهاء الإجراءات.


ولا تجيز هذه النصوص، مع ذلك، الاحتجاز لمدة غير محددة، أو حرمان الشخص من الاستعانة بمحامٍ، أو من التواصل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو من الوصول إلى إجراءات اللجوء، أو من عرض الأسباب التي تدفعه إلى الاعتراض على إعادته.


وكانت المحكمة الإدارية العليا قد رسمت حدود هذه السلطة قبل ظهور قانون اللجوء. ففي الطعنين رقمي 24 لسنة 8 قضائية و452 لسنة 9 قضائية، بجلسة 28 مارس 1964، أكدت المحكمة أن الترحيل حق للدولة، لكنه يظل مقيدًا بحسن استعمال السلطة وبوجود أسباب جدية تقتضيها المصلحة العامة، وفي حدود القانون. ويراجع القاضي الإداري الاختصاص والإجراءات وصحة السبب والغاية، ويلغي القرار إذا شابه مخالفة للقانون أو إساءة استعمال للسلطة.


وفي حكم آخر، الطعن رقم 428 لسنة 48 قضائية، بجلسة 21 أبريل 2007، شددت المحكمة على ضرورة استناد أسباب الترحيل بصورة منطقية إلى وقائع ملف الحالة، واعتبرت استخدام السلطة لغير سبب صحيح ضربًا من التعسف وإساءة استعمال السلطة. وطبقت المحكمة الإدارية المبدأ نفسه في القضية رقم 46625 لسنة 64 قضائية، بجلسة 24 يناير 2012.
 

وبناءً على هذه المبادئ، لا تمنح «تعليمات الوزارة» أو غيرها من الإشارات العامة والغامضة إلى المصلحة العامة، ولا النماذج الموحدة للمحاضر، وزارة الداخلية الحق أو المبرر لإصدار قرار ينتهي بإخراج إنسان من البلاد. بل تحول هذه الممارسات دون إجراء مراجعة فردية للحالة، وتمنع الاعتماد على الحملات الأمنية لاعتقال اللاجئين والمهاجرين، أو تحويل مخالفة تتعلق بالإقامة إلى افتراض نهائي بإمكان ترحيل الشخص.


وبعبارة أخرى، يظل الترحيل قرارًا فرديًا واستثنائيًا، لا عقوبة جماعية ولا أداة لإدارة ملف اللجوء خارج منظومة الحماية.

 


التزامات مصر الدولية ومخاطر الإعادة القسرية


ويمحو هذا المسار كذلك الفارق القانوني بين الأجنبي العادي واللاجئ أو طالب اللجوء. فقد تسري قواعد الإقامة على الأخير في بعض الحالات، لكن ذلك لا يلغي وضعه المحمي، ولا يسقط واجب التحقق من مخاطر إعادته في حالته الخاصة قبل تنفيذ أي قرار ترحيل.


ويضمن الدستور المصري الحق في الحرية الشخصية بموجب المادة 54، كما تنص المادة 91 على حق الدولة في منح اللجوء للأجانب المحرومين من الحقوق والحريات العامة، وتحظر تسليم اللاجئين السياسيين. وتمنح المادة 151 المعاهدات التي تصدق عليها مصر وتنشرها، بعد استيفاء الإجراءات اللازمة، قوة القانون.


وباعتبار مصر دولة طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، فإنها تلتزم بالمادة 33 التي تحظر طرد اللاجئ أو رده إلى أراضٍ تهدد حياته أو حريته، كما تلتزم بالمادة 31 التي توفر، بشروط محددة، حماية من العقوبة بسبب الدخول أو الوجود بصورة غير نظامية.


ولا تمنح هذه الالتزامات حصانة مطلقة من أي إجراء قانوني، لكنها تحول دون استخدام مخالفة تتعلق بالدخول أو الإقامة بديلًا عن فحص طلب الحماية، أو وسيلة مختصرة لإعادة شخص إلى مكان يواجه فيه خطرًا.


وأقرت المحكمة الإدارية هذا الفهم قبل صدور قانون اللجوء. ففي القضية رقم 36123 لسنة 67 قضائية، بجلسة 25 يوليو 2020، ربطت المحكمة قرار الترحيل بالتزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبضرورة السماح للشخص المعني بعرض أسباب اعتراضه على الترحيل وإتاحة مراجعة القرار أمام جهة مختصة.


وفي القضية رقم 25621 لسنة 78 قضائية، بجلسة 18 يناير 2025، ألغت المحكمة قرار ترحيل صادرًا بحق لاجئ سوداني مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وميّزت المحكمة بين وضع الأجنبي العادي والوضع المحمي للاجئ، وأكدت أن ترحيل لاجئ أو طالب لجوء سوداني مسجل، في ظل الكارثة الإنسانية والانتهاكات الجارية في السودان، يخالف التزامات مصر الدولية ويهدد مكانتها التاريخية.


وتقدم هذه الأحكام قراءة محلية واضحة لالتزامات مصر الدولية: فلا ترحيل من دون تقييم لمخاطر العودة، ولا حماية فعلية من دون حق حقيقي في الاعتراض والطعن. لكن هذا، بحسب الكاتب، لا ينعكس بصورة كافية في قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 أو لائحته التنفيذية، اللذين لا يتضمنان نصوصًا صريحة وكافية لإدماج هذه القواعد، خصوصًا فيما يتعلق بحماية طالبي اللجوء قبل الاعتراف رسميًا بوضعهم، وخلال مراحل التظلم والطعن.

 


فجوة الحماية وغياب الضمانات الفعالة لطالبي اللجوء


صحيح أن المادة 13 من قانون اللجوء تحظر تسليم اللاجئ أو إعادته قسرًا إلى دولة جنسيته أو محل إقامته المعتاد، لكنها تقصر هذه الحماية الصريحة على من حصلوا بالفعل على صفة لاجئ. أما طالب اللجوء الذي لا يزال طلبه قيد التسجيل أو الفحص أو التظلم أو الطعن، وهو الشخص الأكثر عرضة للاعتقال والترحيل، فلا يحصل على ضمانة نصية واضحة وكافية.


ولا يعالج القانون بصورة واضحة خطر الإعادة غير المباشرة إلى دولة ثالثة، كما لا ينص القانون أو لائحته التنفيذية صراحة على وقف الترحيل تلقائيًا طوال مراحل التظلم والطعن، أو خلال إجراءات التمثيل القانوني والمساعدة القانونية المجانية.


ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: ما جدوى الطعن إذا لم يوقف الترحيل أو يعلق الإجراءات إلى حين الفصل فيه؟ وما الذي تستطيع المحاكم حمايته بعدما يكون الشخص قد نُقل بالفعل إلى دولة تشهد حربًا أو يواجه فيها الاضطهاد؟


وتنظم اللائحة التنفيذية، الصادرة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1568 لسنة 2026، إحالة بعض الحالات إلى وزارة الداخلية لاتخاذ إجراءات الترحيل، ومنها الحالات التي رُفضت طلباتها أو سُحبت، وحالات فقدان صفة اللاجئ أو انتهاء اللجوء. لكنها لا توفر حماية كافية لمن لم يُحسم طلب الحماية الخاص بهم، أو لمن يُعتقلون قبل الوصول إلى لجنة الترحيل أو إجراءات اللجوء.
 

كما لا تجعل اللائحة المساعدة القانونية حقًا حقيقيًا متاحًا في جميع المراحل، ولا تضمن بالقدر الكافي حضور المحامي أو إتاحة ملفات القضايا قبل اتخاذ قرار يمس حرية الشخص وحياته.


ولا ينبغي أن تتحول صعوبات التنسيق بين المفوضية أو لجنة الترحيل والجهات الإدارية إلى عبء يتحمله طالب الحماية، أو إلى ذريعة لترحيله. فإذا واجهت إجراءات التسجيل أو الإقامة صعوبات أو تأخيرًا، فينبغي أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الحذر، لا إلى تسريع الترحيل.


وعندما توجد وثيقة صادرة عن المفوضية أو موعد للتسجيل، ينبغي فحصها وعدم تجاهلها. وعندما يعلن الشخص خوفه من العودة، ينبغي وقف إجراءات الترحيل إلى حين فحص هذا الادعاء بجدية، حتى إذا لم يكن الشخص قد سجل لدى المفوضية بعد.
 

ويرى الكاتب أن وزارة الداخلية يجب أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة ملفات الإقامة والاعتقال والاحتجاز والترحيل، وعن التحقق من الوثائق والإخطارات المتاحة قبل اتخاذ أي إجراء.
 

وتزداد فجوة الحماية مع حرمان اللاجئين وطالبي اللجوء من القدرة على الاستعانة بمحامين، وهو ما أوضحه بيان للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. ويمكن لهذا الحرمان أن يحول دون حصول الشخص على حقوقه القانونية الأساسية، أو اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة لحماية تلك الحقوق.
 

ولا تجري الحملات الأمنية ضد اللاجئين في فراغ سياسي أو اجتماعي، إذ تتزامن مع موجات من خطاب الكراهية والتحريض عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء، ولا سيما السودانيين والسوريين، إلى جانب من يدعمونهم.
 

وتروج هذه الخطابات ادعاءات مضللة تربط اللاجئين بالجريمة أو الأزمة الاقتصادية أو الضغط على الخدمات، وتدفع بعض الأشخاص إلى الإبلاغ عن آخرين أو المطالبة بإبعادهم استنادًا إلى جنسيتهم أو لون بشرتهم أو معلومات زائفة بشأن أوضاعهم القانونية.
 

وسواء أثبت هذا التزامن وجود صلة تنفيذية بين حساب أو حملة بعينها ومؤسسات الدولة أم لم يثبت، فإنه يكشف، وفق خليل، عن مناخ سياسي خطير تُصوَّر فيه الحماية باعتبارها عبئًا، ويُطرح الإقصاء باعتباره حلًا.
 

ولا يمثل خطاب الكراهية مجرد رأي قاسٍ، بل يمكن أن يسهم في خلق قبول اجتماعي للاعتقال والاحتجاز والترحيل، كما قد يزيد خوف الضحايا من طلب المساعدة أو الإبلاغ عن الانتهاكات.
 

وهنا تتضاعف مسؤولية وزارة الداخلية؛ إذ ينبغي ألا تتعامل مع التحريض أو البلاغات القائمة على الجنسية أو العِرق باعتبارها أسبابًا مشروعة للاشتباه، وألا تسمح باستغلالها في عمليات تستهدف جماعات بعينها، وأن تثبت من خلال الممارسة، لا التصريحات، أن الحق في الحماية لا ينهار أمام حملة رقمية أو غضب شعبوي.
 

ويكمن الاختبار الحقيقي لأي نظام قانوني في قدرته العملية على كبح تجاوز السلطة التنفيذية وحماية الأكثر ضعفًا في لحظات الخطر، لا في قائمة القوانين التي يعلنها.
 

وتتجسد تلك اللحظة في لاجئ يقف أمام الضابط الذي يحتجزه، أو أمام قرار ترحيله، أو عند معبر حدودي يُحسم فيه مصيره: هل يحصل هذا الإنسان على فرصة لطلب الحماية، أم يُعاد قسرًا إلى الحرب أو السجن أو التعذيب؟
 

إما أن يتحول النظام القانوني إلى درع حقيقي يحمي هذا الشخص، وإما أن يظل مجرد إطار رسمي لقرارات أمنية جماعية. ولم يعد بالإمكان اتخاذ هذا الخيار من دون كلفة قانونية وسياسية وإنسانية، ليس على اللاجئين وحدهم، وإنما أيضًا على سمعة مصر القانونية ومكانتها في النظام الدولي.
 

وقد تنقلب صورة مصر من دولة تفخر بدورها التاريخي في صياغة الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بحماية اللاجئين إلى دولة توثَّق فيها حالات وفاة لاجئين داخل أماكن الاحتجاز بينما كانوا يسعون إلى الحصول على الحماية.

 

https://almanassa.com/en/stories/33898